قِطار الأُمَّة الكورديَّة

قِطار الأُمَّة الكورديَّة

تعطَّل فينا القطار فجأةً في الطريق الواصل بين الحسكة وحلب!.

لست هنا بصدد كتابة قصة خيالية من نسج مخيلتي بقدر ما هي سيرة ذاتية تركَتْ لديَّ بعض الانطباعات السلبية.

حزيران عام 1999 ألف وتسعمائة وتسعٍ وتسعون كنَّا سبعة طلبة كورد جامعيين إلتقينا بالمصادفة في كابينة قطار واحدة فلمَّت منا الترحال والوصال شملاً وجمعَنا على مبتغىً واحد و هو الوجهة التي كنا نقصده نحن الطلبة آنذاك تقديم الامتحانات .

قدَّم كل واحد فينا نفسه للآخر بطريقة رسمية وربما في غفلة عن قذارة عربات القطار ورائحتها التي كانت تشبه صلصة الشنكليش..

كانت طريقة البعض فينا باستخراج العبارات المعجمية في سياق التعريف بنفسه تومئ بأن أحدهم بإمكانه أن يقود سفينة قيادة العالم بعد تخرجه.. في لحظة كنا نقفز فيه بفكرنا وحواسنا على منظر عجوزة ترقد بالجوار منا ونحن نسمع صوت ظراطها.

لقد بدا واضحاً من سياق بعض المماحكات اللفظية أو البرمجة اللغوية لبعض الجمل أن كل واحد فينا كان يحمل ثقافة يختلف فيه عن الآخر بحكم تفشي حالة الانشقاقات الحزبية آنذاك.

كنا نتسامر في البداية محاولين كسر جمود الرسمية التي فرضت نفسها علينا بحكم عدم معرفتنا المسبقة لبعضنا البعض.

تقريباً كنا في أعمار متقاربة ولكن دراستنا في أفرع مختلفة، كان بيننا من يدرس فرع الفلسفة.. والاقتصاد.. والرياضيات.. والآداب.. وأنا وآخران الحقوق.

كانت الساعة تشير إلى الثانية ليلاً أو ينقص بعض الدقائق القِلال حين توقف القطار فجأة في حركة غير اعتيادية، فأيقظ صرير فرامله الهادر كلَّ من كان نائماً.

وما هي إلا دقائق قليلة حتى سمعنا جلبة وضوضاء بين أرجاء المسافرين يقول البعض للآخر أنه سمع سائق القاطرة الأمامية يقول أن القطار قد تعطَّل وأنه يحتاج ربما إلى نصف يوم حتى يصل عمال الصيانة وتعود إلى حالته الطبيعية.

تأخرنا نحن السبعة في النزول اعتقادا منا بعدم صحة الخبر ولكن حين تم تفريغ العربات كاملة من الناس تيقنا أننا امام مشكلة.

كانت المشكلة تكمن أساساً في أن امتحان كل واحد فينا سيبدأ منذ ساعات الصباح الأولى ولو تأخر القطار عن الوصول في السادسة صباحاً كالمعتاد فهذا يعني خسارة الامتحان والرسوب في المادة.

يا شباب نحن في مشكلة حقيقية!..

والوقت يمر سراعاً ولو أننا لم نسعف بعضنا بإيجاد حل سريع وناجع ونتفق عليه فلا معنى إذاً لذهابنا إلى الإمتحان.

الطريق العام يبتعد عنَّا حوالي الثلاثة كيلو مترات وأقرب قرية إلى مكاننا هذا يحمل نفس المسافة تقريباً.. اعتقد لو أننا نشَدْنا الطريق العام لكان هذا افضل حل بإيجاد سيارة خصوصية.

صحيح أننا سنخسر بعض الوقت والمال لكننا سنصل قبل السابعة بإذن الله!.

صديقنا الرياضياتي قال:

المسافة تساوي حاصل ضرب السرعة في الزمن!!.. ونحن لا نعرف بعدُ السرعة التي سنجد فيها تلك السيارة ولا نعرف الزمن المستقطع للوصول إلى المسار الحقيقي!!!. اعتقد ان الأفضل انتظار تصليح القطار والتسليم للقدر!.

اتفق طالب الآداب مع الاقتصاد بأن من الأفضل الوصول إلى أقرب تجمع سكاني من هنا، انظروا إلى تلك المصابيح أنها قرية قريبة بعض الشيئ وحتماً لديهم نخوة وفيهم من سيوصلنا إلى الطريق العام مجاناً!!.

تدخل صاحبنا الفلسفي قائلاً:

هناك سيارة يركبه بعض المسافرين لنركبها نحن كذلك، صحيح أنها ستعود بهم إلى الرقة لكننا من هنالك نستطيع ركوب البولمان إلى حلب من جديد!!.

بينما بقي طالبا الحقوق ينتظران أين تميل الكفة!.

وهكذا تضاربت الآراء فيما بيننا، كل يتمسك برأيه الذي يعتقده صواباً..

وما هي إلا لحظات حتى وجد كل واحد فينا نفسه يسلك الطريق الذي ارتآه وانفض عن بعضه البعض مع ان هدفنا كان واحدا وطريقنا ووجهتنا كذلك وتجمعنا عين المصلحة.

بغض النظر من أنني سلكت الطريق الترابي برفقة طالب حقوق واحد مشياً على الأقدام مسافة الثلاثة كيلومترات وسط ركام هائل من الأتربة الصحراوية والغبار المتصاعد في كل نسمة هواء كانت تلفح سحنتنا ورئتانا..

وبغض النظر من أننا استطعنا الوصول إلى الطريق العام واستقلينا سيارة خصوصية بمبلغ كانت وطأته ستكون اخف لو اتفقنا فيما بيننا نحن الزملاء على اختيار هذا الحل ومن ثم تقسيم المبلغ على البقية..

وبغض النظر كذلك من أننا وصلنا في موعدنا الذي مكننا من تقديم الامتحان ومن ثم النجاح فيه بشق الأنفس.

إلا أنني كنت على يقين بعدها بأننا نحن الكورد راسبون في إدارة الأزمات، وأننا على الدوام فاشلون في القيادة، بارعون في الإنقياد، سائرين راكنين خلف عربات الغير ليقودوا لنا المركبة .

أعتقد أن ما كنا نحتاجه للخروج من الأزمة حينها لم تكن شهادة رفيعة المستوى والدرجات ولا كاريزما تفرض نفسها بذريعة التقدم في السن والخبرة بل رأياً حكيماً وإنساناً مخلصاً يدخل في حسبانه وحدة مصالحنا وهدفنا ومن ثم التسليم من البقية لهذا الرأي سلباً كان أم إيجاباً .

وصدق رسول الله إذ قال:

“إذا كنتم ثلاثة فأمِّروا أحدكم” .

Comments (0)
Add Comment